الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

292

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ويجوز أن تعود إلى رَبُّهُ من إضافة المصدر إلى فاعله . والإهانة : المعاملة بالهون وهو الذل . وإسناد فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ . . . فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ إلى الرب تعالى لأن الكرامة والنعمة انساقت للإنسان أو انساق له قدر الرزق بأسباب من جعل اللّه وسننه في هذه الحياة الدنيا بما يصادف بعض الحوادث بعضا ، وأسباب المقارنة بين حصول هذه المعاني وبين من تقع به من الناس في فرصها ومناسباتها . والقول مستعمل في حقيقته وهو التكلم ، وإنما يتكلم الإنسان عن اعتقاد . فالمعنى : فيقول ربي أكرمني ، معتقدا ذلك ، ويقول : ربي أهانني ، معتقدا ذلك لأنهم لا يخلون عن أن يفتخروا بالنعمة ، أو يتذمروا من الضيق والحاجة ، ونظير استعمال القول هذا الاستعمال ما وقع في قوله تعالى : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ [ آل عمران : 75 ] ، أي اعتقدوا ذلك فقالوه واعتذروا به لأنفسهم بين أهل ملتهم . وتقديم رَبِّي على فعل أَكْرَمَنِ وفعل أَهانَنِ ، دون أن يقول : أكرمني ربي أو أهانني ربي ، لقصد تقوّي الحكم ، أي يقول ذلك جازما به غير متردد . وجملتا : فَيَقُولُ * في الموضعين جوابان ل أَمَّا * الأولى والثانية ، أي يطرد قول الإنسان هذه المقالة كلّما حصلت له نعمة وكلما حصل له تقتير رزق . وأوثر الفعل المضارع في الجوابين لإفادة تكرر ذلك القول وتجدده كلما حصل مضمون الشرطين . وحرف كَلَّا زجر عن قول الإنسان رَبِّي أَكْرَمَنِ عند حصول النعمة . وقوله : رَبِّي أَهانَنِ عندما يناله تقتير ، فهو ردع عن اعتقاد ذلك فمناط الردع كلا القولين لأن كل قول منهما صادر عن تأول باطل ، أي ليست حالة الإنسان في هذه الحياة الدنيا دليلا على منزلته عند اللّه تعالى . وإنما يعرف مراد اللّه بالطرق التي أرشد اللّه إليها بواسطة رسله وشرائعه ، قال تعالى : قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً إلى قوله : فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً في سورة الكهف [ 103 - 105 ] . فرب رجل في نعمة في الدنيا هو مسخوط عليه ورب أشعث أغبر مطرود بالأبواب لو أقسم على اللّه لأبرّه . فمناط الردع جعل الإنعام علامة على إرادة اللّه إكرام المنعم عليه وجعل التقتير